عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

454

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

يوافقه عليه غيرهُ ، كما نقل عنه في الوطء في المحل المكروه ، وأنكره عليه العُلَمَاء . فإن كان هذا محفوظًا عن الشافعي فإنما أراد به أن زمارة الراعي بخصوصها ، لا يبلغ سماعُها إِلَى درجة التحريم ، فإنه لا طرب فيها ، بخلاف المزامير المطربة ، كالشبابات المؤصلة ، وقد أشار إِلَى ذلك الخطابي وغيره من العُلَمَاء . وقد سبق حديث عائشة رضي الله عنها وقول أبي بكر رضي الله عنه : مزمور الشيطان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! فقاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ » . فدل عَلَى أن الدف من مزامير الشيطان لكنه يُرخص فيه للنساء في أيام الأفراح والسرور ، كما يُرخص لهن في التحلي بالذهب والحرير دون الرجال ، ويباح للرجال من الحرير اليسير دون الكثير ، وكذلك من حلي الفضة . فكذلك يباح للنساء في أيام الأفراح الغناء بالدف ، وإن سمع ذلك الرجال تبعًا ، وهذا مذهب فقهاء الحديث ، كالشافعي وأحمد وغيرهما وهو قول الأوزاعي وغيره ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى . وقد كان طائفة من الكوفيين من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه ومن بعدهم لا يُرخصون في شيء من ذلك بحالٍ . فأما الغناء المرخص فيه ، فليس هو الغزل المهيج للطباع ، بل هو غناء الركبان ونحوه كما قاله الإمام أحمد وغيره . وقد كان خالد بن معدان - وهو من أعيان التابعين - يأمر بناته ونساءه إذا ضربن بالدفوف أن يتغنين بذكر الله عز وجل . وإنما يُباح الدف إذا لم يكن فيه جُلجُل ( 1 ) ونحوه مما يُصوت عند أكثر العُلَمَاء ، نص عليه الإمام أحمد وغيره من العُلَمَاء ، كما كانت دفوف العرب عَلَى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد رخص في هذا الدف طائفة من متأخري أصحابنا مطلقًا في العرس وغيره ، للنساء دون الرجال . وأما الآثار الموقوفة عن السَّلف في تحريم الغناء وآلات اللهو فكثيرة جدًا .

--> ( 1 ) الجلجل : هو الجرس الصغير . " النهاية " ( 1 / 284 ) .